السيد نعمة الله الجزائري
528
زهر الربيع
وإذا نزلت وسط العسكر وتضرب عليه قبّة وتضرب قبّة للمطران مجاورة لها وقد عزم قيصر على خراب بلاد الفرس ولمّا جدّ السّير قال وزير سابور للبطرك أيّها الأب إنّما استفدت بخدمتك الرّغبة في مصالح الاعمال وقد علمت اجتهادي في مداواة الجرحى وأنّ نفسي تنازعني إلى صحبة الملك قيصر في سفره هذا فلعلّ اللّه تعالى يسوقني إلى مداواة جريح من العسكر لا تقرّب إلى اللّه ( تعالى ) فقال له البطرك إنّي لا أستطيع فراقك فلم يزل يتضرّع إليه إلى أن استحى منه وزوّده وكتب معه إلى المطران يخبره برتبته وأنّه ينبغي أن يحمله في أعلى المراتب ويرجع إليه في الرّأي إذا أشكل عليه فقدم على المطران فأنزله في قبّته وجعل زمام أمره ونهيه بيده ، وصار الوزير يطرفه ، بالأخبار رافعا بها صوته ، ليسمع سابور حديثه فيتسلّى بذلك ويدسّ بأحاديثه ما يريد أن يخبره به من الأسرار وكان سابور يجد بذلك راحة عظيمة ، وكان الوزير قد أعدّ لخلاص سابور ، أنواعا من الحيل رتّبها عندما قدم على المطران منها أنّه أمتنع من مواكلة المطران وأخبر أنّه لم يخلط بطعام البطرك غيره لأجل بركته فكان إذا حضر طعام المطران أخرج هو ذلك الزّاد الّذي معه وأنفرد بالأكل وحده ، فلم يزل قيصر سائرا بجنوده حتّى بلغ أرض فارس فأكثر فيها القتل والسّبي ، وتغوير المياه وقطع الأشجار وخراب القرى والحصون وهو مع ذلك يسير ليستولي على دار ملك سابور ، قبل أن يشعروا فيملّكوا عليهم رجلا منهم ولم يكن للفرس همّ إلّا الفرار بين يديه والاعتصام بالحصون ، والمعاقل يزل قيصر على تلك الحال حتّى وصل إلى مدينة سابور ، وقرار ملكه فاحاط بها ونصب عليها آلات الحصار ، ولم يكن عندهم من به قوّة ولا منعة في دفع أكثر من ضبط الأسوار والقتال عليها وكلّ ذلك فهمه سابور من كنايات الوزير للمطران فلمّا علم سابور أنّ قيصر قد اشتدّت وطأته ، وأشرف على فتح البلد ساء ظنّه ويأس من الحياة فلمّا جنّ اللّيل جلس الوزير لمسامرة المطران فقال له قد ذكرت اللّيلة حديثا عجيبا فقال له المطران حدّثني به فحدّثه حديثا طويلا يشتمل على الأمثال والكنايات ويسمع سابور بقرب خلاصه وأن المدينة قريبة منهما فأيقن سابور بالفرج ولمّا كان اللّيلة القابلة تلطّف وزير سابور حتّى دخل الخيمة الّتي يطبخ بها الطّعام للمطران وبها الموكّلون بقيّة سابور نائمون ينتظرون الطعام فتحيّل إلى أن ألقى في الطّعام البنج فلمّا حضر الطعام المطران انفرد الوزير يأكل زاده على ما